الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

108

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

وإعادة شرط المشيئة في الجملة المعطوفة لتأكيد تسلط المشيئة على الحالتين . وجملة وَما أَرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا زيادة لبيان أن الهداية والضلال من جعل اللّه تعالى ، وأن النبي غير مسؤول عن استمرار من استمر في الضلالة . إزالة للحرج عنه فيما يجده من عدم اهتداء من يدعوهم ، أي ما أرسلناك لتجبرهم على الإيمان وإنما أرسلناك داعيا . والوكيل على الشيء : هو المسؤول به . والمعنى : أرسلناك نذيرا وداعيا لهم وما أرسلناك عليهم وكيلا ، فيفيد معنى القصر لأن كونه داعيا ونذيرا معلوم بالمشاهدة فإذا نفي عنه أن يكون وكيلا وملجئا آل إلى معنى : ما أنت إلا نذير . وضمير عَلَيْهِمْ عائد إلى المشركين ، كما عادت إليهم ضمائر عَلى قُلُوبِهِمْ [ الإسراء : 46 ] وما بعده من الضمائر اللائقة بهم . و عَلَيْهِمْ متعلق ب وَكِيلًا . وقدم على متعلقه للاهتمام وللرعاية على الفاصلة . [ 55 ] [ سورة الإسراء ( 17 ) : آية 55 ] وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِمَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلَقَدْ فَضَّلْنا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلى بَعْضٍ وَآتَيْنا داوُدَ زَبُوراً ( 55 ) تماثل القرينتين في فاصلتي هذه الآية من كلمة وَالْأَرْضِ وكلمة عَلى بَعْضٍ ، يدل دلالة واضحة على أنهما كلام مرتبط بعضه ببعض ، وأن ليس قوله : وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِمَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ تكملة لآية رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ [ الإسراء : 54 ] الآية . وتغيير أسلوب الخطاب في قوله : وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بعد قوله : رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ [ الإسراء : 54 ] إيماء إلى أن الغرض من هذه الجملة عائد إلى شأن من شؤون النبي صلّى اللّه عليه وسلّم التي لها مزيد اختصاص به ، تقفية على إبطال أقوال المشركين في شؤون الصفات الإلهية ، بإبطال أقوالهم في أحوال النبي . ذلك أن المشركين لم يقبلوا دعوة النبي بغرورهم أنه لم يكن من عظماء أهل بلادهم وقادتهم ، وقالوا : أبعث اللّه يتيم أبي طالب رسولا ، أبعث اللّه بشرا رسولا ، فأبكتهم اللّه بهذا الرد بقوله : وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِمَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ فهو العالم حيث يجعل رسالته . وكان قوله : وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِمَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ كالمقدمة لقوله : وَلَقَدْ فَضَّلْنا بَعْضَ النبيئين الآية . أعاد تذكيرهم بأن اللّه أعلم منهم بالمستأهل للرسالة بحسب